نوافذ الكترونية على أدمغتنا

02-12-2017
حكيم نيوز
د.عاصم منصور

 استوقفني الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام عن تمكن علماء من الولايات المتحدة من التسلل الى ادمغة متطوعين وزرع شرائح الكترونية مكّنتهم من التحكم بسلوكهم ومشاعرهم من خلال توليد موجات كهرومغناطيسية. والملفت ان هذه الابحاث قد تم دعمها من قبل البنتاغون. وذكر الباحثون ان هذه التقنية الجديدة قد تستخدم مستقبلا في علاج حالات مرضية مستعصية مثل الاكتئاب واعتلال الذاكرة وغيرها.
لا أدري لماذا عادت بي الذاكرة عند قراءة هذا الخبر الى رواية الكاتب الانجليزي الشهير جورج أورويل "1984" ولماذا استحضرت "الأخ الكبير" وشاشاته المنتشرة في كل مكان تراقب الناس في كافة احوالهم واوضاعهم، وعملية غسل الادمغة التي يمارسها من خلال وزارات تقوم بتزييف الحاضر والماضي وتتلاعب بالمشاعر من خلال دورات تأهيلية يخضع لها كل من يحيد عن "جادة الصواب".
فعند أورويل يتحكم الحزب "السلطة المطلقة" بكافة المشاعر والعلاقات الانسانية مثل الحب  والكراهية والجنس التي يتم استئصالها مبكرا ليبقى الولاء للسلطة المحرك الوحيد لكافة المشاعر, ولم تسلم اللغة من العبث من خلال استحداث لغة بديلة بائسة فقيرة المعاني, فباضمحلال اللغة يفسد الفكر وتنزع الأداة الأهم للتواصل الانساني. 
كما تحتل الذاكرة موقعا مركزيا عند أورويل حيث يتم التلاعب بها وتزييفها في خدمة السلطة، وهنا يطرح أورويل تساؤلا مهما: كيف يمكن للفكرة ان تعيش في وسط لا مكان فيه للماضي, وحذر أورويل من ظهور super power قد لا تكون مفضوحة بصورة فجة كما هو حال النازية والستالينية لكنها ستعمل على جعلنا اكثر قبولا للانقياد لها من خلال التلاعب بأدمغتنا.
ترى هل يحاول "الإخوة الكبار" في عصرنا الاستفادة من الثورة التكنولوجية لفتح نوافذ عصرية على ادمغتنا تمكنهم من التحكم بأفكارنا ومشاعرنا وتزييف ذاكرتنا وإعادة كتابة التاريخ لينسجم مع ايديولوجياتهم, وهل سيتم استبدال شعار "الأخ الكبير يراقبك" بشعار "الأخ الكبير يفتح نافذة على دماغك".
رغم الصورة الوردية التي يحاول أن يضفيها الباحثون على هذه الابتكارات والجانب الخير الذي يمكن ان توفره للبشرية من خلال علاج امراض تصيب ملايين البشر، إلا أن التاريخ يخبرنا ان المؤسسات العسكرية والاستخباراتية تتفوق تكنولوجياً على مثيلاتها المدنية بعشرات السنين حيث تنفق الدول المليارات للتلاعب بالرأي العام وتزييف الوعي من خلال الإعلام ووسائل التواصل، وما "الغزوة" الروسية للتلاعب عن بعد بالانتخابات الأميركية إلا غيض من فيض ستكشفه الأيام القادمة.