إنني جميل " سيلفي "

30-12-2017
حكيم نيوز
د. فايز ابو حميدان

 هـَــوَس السيلفي أو المبالغة في التقاط الصور الذاتية باتت ظاهرة اجتاحت العالم في الآونة الأخيرة وبشكل واسع وسريع، إذ أصبح من الطبيعي ان نشاهد الشباب والشابات وحتى الأطفال يتكئون على الجدران أو السيارات لالتقاط صور لأنفسهم أو صوراً بصحبة أصدقائهم عبر كاميرا هواتفهم المحمولة بغرض توثيق تلك اللحظات والمناسبات والمناظر المختلفة حولهم، كما وأصبح أمراً بديهياً وتلقائياً لدى البعض التأكد من جمال الوجوه في تلك الصور، فأصبح من الضروري التأكد بعد التقاط الصورة بأن البشرة ليست شاحبة اللون، وأن الوان الشفاه منمقة، ومن ثم التأكد من أن تقاسيم الوجه الظاهرة في الصورة هي نفسها المقصود إظهارها كالحزن أو السعادة، فيتم بعد ذلك حذف الصور غير المرغوبة أو ارسال تلك الصور للأحباب والأصدقاء أو حتى مشاركتها ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، مصحوبة بتعليق: انظروا انني جميل / جميلة.

هذا ما يعرف في الطب بمرض الانانية " النرجسية - Narcissism " والمقصود به حب الذات والذي أصبح يُعبّرُ عنه في أيامنا هذه بالمبالغة في التقاط صور السيلفي، فالأمر المثير للقلق في هذا السياق هو ان التقاط الصور الذاتية قد لا يكون مجرد موضة أو حالة إدمان على التصوير الذاتي بل قد يكون مؤشراً هاماً يدق ناقوس الخطر من الإصابة بهذا المرض ويوجب الحذر منه، ولكن هذا لا يعني أن كل من يلتقط صورة سيلفي هو شخص أناني.

فصفة الانانية توجد لدى جميع الناس بمختلف اعمارهم لكنها تتفاوت وتختلف في قوّتها وعمقها من شخص لآخَر، فقد لوحظ مؤخراً بأن هذه الظاهرة منتشرة لدى مختلف الفئات العمرية لكنها واسعة الانتشار لدى فئة الشباب وخاصة مواليد الثمانينيات الذين يطلق عليهم في علوم الطب النفسي جيل " أنا " والمرادف لمصطلح Millennials في القاموس العلمي.

وعلى الرغم من وجود دراسات علمية أجريت على أكثر من 60 ألف شخص خلال 30 عاماً تؤكد عدم تنامي صفة الانانية لدى افراد المجتمع بمرور السنين، الا أنه عند الحديث مع كبار السن نستنتج من أحاديثهم شبــه تأكيد حول حقيقة نمو وتطور هذه الظاهرة، وهذا ما استطاعت اثباته دراسات أمريكية حديثة وأكدت انتشار وتفشي وباء النرجسية " الانانية " بين أفراد المجتمع، وأن وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة تلعب دوراً حاسماً وسلبياً للأسف في تفشي هذه الظاهرة.  

ان أبرز النقاط التي يجدُر التنويه اليها هنا هو أن الأجيال المتعاقبة تختلف اختلافاً كبيراً من حيث الثقافة والحياة والتطور لذا نجد بأن الأجيال القديمة تنتقد الأجيال الجديدة بشكل دائم، وبات من الطبيعي ان نلتمس نوعاً من المنافسة في المثالية بين هذه الأجيال، فكثيراً ما يصادفني سماع اقارب أو أصدقاء من الجيل الأكبر سناً يمدحون ويُثنون على الجيل القديم ويقدمون أمثلة كثيرة في هذا السياق ويطرحون حلول خلاقة للجيل الجديد والتي ربما لا تتناسب مع الواقع العملي، فبلا شك أن للتطور التكنلوجي دور كبير في بلورة شخصية الشباب هذه الأيام، وخير مثالٍ يُطرح هنا ان طالب المدرسة يوصله الباص يومياً من باب المنزل إلى المدرسة أما جيلنا فكان يذهب مشياً على الاقدام حاملاً الحقائب المدرسية بغض النظر عن الأحوال الجوية القاسية متسلحاً بأحذية البلاستيك بعكس جيل الاديداسADIDAS و النايك NIKE.

بالمقابل يجب علينا أن لا نُنكِر ان البعض منا يحسد الجيل الجديد على النعمة التي منحها الله لهم، ولكن السؤال الذي يراودني هنا ويطرح نفسه في هذا السياق هل يوّد أحدٌ منا أن يعاني اطفاله كما عانى هو نفسه في الماضي؟ لا شك ان الإجابة هنا ستكون واضحة ولا لبس عليها رغم كافة الانتقادات اللاذعة للجيل الجديد.

وأخيراً أود الإشارة إلى حقيقة هامة أيضاً فالتقدم بالسن يقلل من درجة الانانية في بعض الأمور وليس جميعها، ليصبح بذلك حب الذات أقل وقعــــاً وتأثيراً من السابق، أما بالنسبة لظهورها لدى الجيل الجديد فيمكننا اعتبارها مسألة عادية وغير مقلقة اذا كانت بمستواها الطبيعي وضمن الاطار الصحيح، فإعطاء الشخص صورة ايجابيه عن نفسه لا يخالف الأعراف والأخلاق.