النماء العاطفي للطفل يتراجع بالاعتماد على عاملات المنازل

02-01-2018
حكيم نيوز
عبد العزيز الخضراء

 بدأت المرأة تشعر بحاجتها إلى من يعينها على تدبير شؤونها بحجة اتساع مساحة بيتها، أو لضيق الوقت بعد عودتها منهكة من العمل، أو بسبب وجود طفل في البيت يحتاج إلى من يرعاه أثناء وجودها في عملها خارج البيت، أو أثناء مشاركتها في بعض الفعاليات الاجتماعية والإنسانية.
ولكن الواقع يشير إلى أن كثيراً من الأمهات أوكلن لعاملات المنازل دور الأم البديلة رغم وجود الأم الحقيقية.
يجب على الأمهات أن لا تغيب عن أذهانهن الحقائق الآتية:
- إن سنوات الطفولة الأولى تبرمج الكثير من سمات شخصية الفرد البالغ، والطفل الذي يُحرم من حنان الأم ورعايتها، وخصوصاً في أدق مراحل النمو الاجتماعي وهي الفترة من 7 إلى 21 شهراً؛ حيث يبدأ الطفل بالكلام والمشي وتقليد الكبار، هذا الطفل يشعر بالاكتئاب، وتنشأ عنده حالة من الغم والقلق تترك بصماتها على شخصيته.
ويقول العالم الأميركي نيل ميلر "إن عزل الطفل عن والديه، ولا سيما عن أمه، يؤدي به إلى الهبوط الذهني، والتوتر وتقوية العدوانية لديه".
- إن أولى الحاجات النفسية الأساسية التي يجب أن تُلبى وتُشبَع من أجل بناء شخصية الطفل هي حاجته إلى محبة وحنان أمه وهو جنين في بطنها، ووليد يرضع من ثدييها، ويرافق الرضاعة إحساس بالدفء وبدفقات العطف والحنان وهي تضمُّه إلى صدرها وتداعب عينيه ابتساماتها، وهذا يُريحه كثيراً.
- ثبت فعلاً بأن الطفل الذي يشبع من حنان أمه ينمو إنساناً سوياً ممتلئاً بالعاطفة نحو أمه بالدرجة الأولى.. ونحو الآخرين، وبعبارة أدق عندما يكبر يصبح من أولى مواصفاته برِّه بأمه ورعايته لها ومحبتها والإنصات لتوجيهاتها.
والطفل بحاجة إلى أن تُعبر له أمه كل لحظة وكل طرفة عين عن محبتها من خلال التواجد معه ومرافقته وإرضاعه وغمره بدفقات الحنان، وهذا ما لا تمنحه أي أم بديلة كالمربية أو عاملة المنزل.
- وإذا ضعفت خيوط التواصل بين الأم وطفلها أو نضبت لسبب أو لآخر فسيصاب الطفل بـ(التقزم العاطفي) الذي يؤدي إلى شروخ نفسية عميقة الأثر في بنيانه العاطفي والنفسي، ويرتدُّ سلباً على تكوينه البدني والعقلي، ويحول دون تفتح قدراته.
- بعد بلوغه سن المراهقة سيُعبّر عن غضبه من أمه بإفراغ الشحنات المكبوتة داخله تمرداً وحقداً، لأنه لم يرتوِ من عطفها، ولم تعطه وقتها، وكانت مشغولة بنفسها فلم تعره الاهتمام الكافي.
لذلك فإن الاعتماد الكامل على عاملات المنازل في تربية الأطفال وعدم مراقبتهم يؤدي إلى وقوع بعض المشكلات والسلوكيات غير السوية حيال الأطفال، وتتفاوت بسلبياتها ومدى تأثيرها على الأطفال، سواء كانت توبيخاً وعنفاً لفظياً أو إساءات جسدية.
لذا فالرقابة على عاملات المنازل يجب أن تبقى حاضرة دائماً تجنباً لحدوث بعض التجاوزات غير المقبولة لدى الأسرة.
والأطفال بحاجة إلى أمهاتهم في التنشئة الاجتماعية المبكرة، وليسوا بحاجة إلى أمهات بديلات، ففي هذه المرحلة وتحديداً قبل أن يبلغ العامين من العمر، يدخل الطفل في المرحلة الفموية؛ أي أنه يتعلق بفمه وبمن يُجهّز له الطعام فهي مرحلة لا يُميزّ فيها الطفل بين الأم والخادمة، ولكنه يُميّز بين من يقدم له الحنان والرعاية وغيره.
ويحسن بالأم العاملة تحديد خطة عمل واضحة لعاملة المنزل، ورسم حدود صلاحياتها وطريقة تعاملها مع الأطفال، بهدف الإبقاء على علاقة منظمة واضحة المعالم والحدود، تجنباً لاختلاط الأدوار بين الأم وعاملة المنزل.
فالغرض الأساسي لاستقدام عاملة المنزل هو تخفيف العبء المنزلي عن ربة البيت، لا أن يشكل وجودهن ثقلاً إضافياً ينتهي إلى نتائج مُدمّرة على الأسرة ومن أخطرها تربية جيل غريب عن مجتمعه.
وعلى الأم أيضاً القيام بعملية الرقابة المشتركة مع الأب على عاملة المنزل، وبخاصة أن الطفل أحياناً يعجز عن التعبير عن تعامل الخادمة معه، وعليها أن تشعر أطفالها بأن وجود عاملة المنزل لا يُلغي وجودها ومتابعتها لهم، وأن تعمل على تدعيم فكرة أن وجودها في حياة أبنائها كالوردة يستنشق الطفل عبيرها متى وجدت، وإذا ما غابت عنه يحاول أن يبحث عنها، وينعم بتأثيرها الإيجابي على نفسه مشاعر وافرة من الحب والحنان ترافقها مظاهر هادئة غنية بالعطاء من التوجيه والإرشاد والتقويم.
والأطفال في مرحلة الطفولة الأولى بحاجة إلى التزود بالخبرات والمباشرة؛ حيث تؤكد أبحاث الدماغ أن العلاقة الأولية الصحية بين الطفل وأسرته تكون نظاماً من الحالات الانفعالية التفاعلية المميزة تعمل على تحريك الخلايا العصبية الدماغية، نتيجة التفاعل والعلاقة الصحيحة المقرونة بالمتابعة والمراقبة، تفرزها وتنشطها وتنميها.
كما وأكدت أن الطفل مزود منذ ولادته بخلايا عصبية دماغية للتفاعل مع المحيطين به، وأن الحرمان العاطفي في السنوات المبكرة للطفل يُضعف الخلايا العصبية ويقلل من التفاعل بين الطفل ومحيطه بسبب عدم التجاوب والإثارة من قبل الوالدين، مما يتسبب في إعاقة نموه على الصعيدين العاطفي والاجتماعي.
وهذا يسهم في التأخير اللغوي والعقلي عند الطفل، مما يؤدي إلى ضعف في التحصيل الدراسي الذي يتأثر مباشرة بهذه الأمور.
والأم العاملة عليها تعويض أطفالها لساعات غيابها عنهم، بحيث يكون تواجدها في المنزل حقيقياً لا أن تبقى عاملة المنزل تتابع شؤون أطفالها رغم وجودها معهم، وعليها أن تشاركهم في أمور كثيرة كالجلوس سوية لتناول الطعام واللعب معاً إضافة إلى عدم إهمال النشاطات التي يقوم بها الأطفال، ومتابعة الجانب الأكاديمي للطفل.
وإن كانت الآراء المتعلقة بالجوانب النفسية والاجتماعية للأطفال تؤكد أهمية وجود الأم بجانب طفلها، فإن العمل بالنسبة لعدد كبير من الأمهات ليس ترفاً ولا مظهراً اجتماعياً إنما هو حاجة أساسية يجب أن لا تؤثر على حياة أبنائها.
وكثير من عاملات المنازل ينتهجن أساليب العنف أثناء فترة رعايتهن للأطفال ما يُحمّل الأم مسؤولية المتابعة والجلوس مع أطفالها أكبر وقت ممكن للحديث معهم والتعُّرف إلى كيفية قضاء أوقاتهم أثناء غيابها.
وفي حال كان عمر الطفل صغيراً ولا يستطيع البوح بما يحدث له، يكون خيار الحاضنات أو الاستعانة بالأقارب أو الأسرة الممتدة، الحل الأفضل للطفل تجنباً لتعريضه لأي سلوك غير سوي في حال كانت عاملة المنزل موضع شك لدى الأسر.