ثلاث أساطير شائعة عن التخدير

10-01-2018
حكيم نيوز
د. أحمد سمير سعد

 صحيح أننا نعيش عصر العلم والدليل والبرهان إلا أن ذلك لم يمنع أن يتناقل الناس الكثير من المعلومات المغلوطة ويرددوها، ويرددها عليهم الإعلام حتى تترسخ في الوعي وتصبح كأنها حقائق أكيدة لا يمكن أن يتسرب إليها الشك، رغم كونها خاطئة تماماً.

1- جرعة التخدير الزائدة
أحد هذه الأساطير، ما يعرفه الناس بجرعة البنج الزائدة، فكل مريض قد تعرض لمضاعفات ما في العمليات سواء كانت ناتجة عن خطأ طبي أو إهمال، ولكن غالباً ما ينصب الاتهام دائماً على جرعة المخدر الزائدة، بل قد تكون المضاعفات هي مما يتوقع حدوثه نتيجة خطورة الجراحة أو الحالة العامة للمريض، ورغم ذلك تكال الاتهامات لجرعة التخدير الزائدة.

هكذا باتت جرعة البنج الزائدة متهماً أبدياً بلا ملامح لكنه مسؤول عن كل شيء، قادم من الظلام ومخلوق من النار والدخان، لم يره أحد لكنهم يرون أثره، هو المسؤول عن كل حالات الوفاة والإجهاض وحوادث الطرق وتسميم البهائم وتعكير صفو مياه النيل.

وفي الواقع يصعب جداً أن يخطئ طبيب التخدير في جرعات أدوية البنج، هو عمل يومي بالنسبة له، والأدوية إلى حد كبير روتينية ومعتادة، جرعاتها محفوظة ومحفورة في ذهنه رغماً عنه. بالإضافة إلى أن لكل دواء حد يكون فيه آمناً حتى لو زادت جرعته، ومع بعض الأدوية يكون هذا الحد كبيراً جداً ومع البعض الآخر يكون محدوداً بقدر ما.

وفي واقع الأمر خطورة أدوية التخدير لا تأتي من زيادة الجرعة بل تأتي منها هي نفسها، حيث أن أدوية التخدير خطيرة في ذاتها، هي تؤثر على القلب والتنفس والوعي، تثبط القلب في أغلب الأحيان وتثبط مراكز التنفس بل إن بعضها قد يوقف التنفس تماماً.

وفقدان الوعي المصاحب لها قد يكون عميقاً إلى الحد الذي يسبب ارتخاء في الممرات الهوائية وتضيع معه ردود فعل طبيعية، كالسعال والكحة وردود فعل طرد أي جسم غريب أو إفرازات أو قيء، وفي أحيان أخرى فإن العصارة المعدية قد تجد سبيلها لممرات الهواء وتتراكم لتسدها أو لتسبب مضاعفات غاية في الخطورة.

لذا فعمل طبيب التخدير دقيق جداً وغير مسموح فيه بأي تراخٍ، لإن التأخر عن خطوات معينة يؤدي لعواقب وخيمة، كما أنه مرتبط بمجموعة من الإجراءات التي يجب أن تكون منضبطة تماماً مع وجود كامل لكل الأدوات والمعدات والأدوية، وإتباع تام من المريض لكل أمر طبي ومن الأطباء والمؤسسة لكل توصية أو خطوط إرشادية أعلنت عنها الجهات العلمية الكبرى، لذا فإن جرعة المخدر الزائدة هي الاحتمال الأبعد لأي مضاعفات قد يعاني منها المريض.

2- التخدير هو حقنة واحدة ينتهي بعدها دور طبيب التخدير
في الحقيقة التخدير عملية متواصلة، تبدأ عادة بحقن مخدر بادئ أو بتنفس مخدر استنشاقي محمول على الأكسجين، لكنها لا تنتهي أبداً إلا باستيقاظ المريض، ويجب أن يتم الحفاظ طوال الوقت على مستويات ثابتة للمخدر في الدم، ويتم ذلك بمد المريض طوال وقت بجرعات إضافية من المخدر طوال فترة العملية، عادة ما يتم ذلك باستخدام المخدر الاستنشاقي المضاف إلى الأكسجين الذي يتنفسه المريض طوال العملية أو بتقطير أحد أدوية التخدير الوريدية.

وطبيب التخدير حاضر طوال الوقت لضبط عمق التخدير وكمية المخدر المطلوبة، وهو مسؤول كذلك عن متابعة العلامات الحيوية للمريض والتعامل معها لدى حدوث أي اضطراب، ومسؤول عن احتساب كميات المحاليل التي يحتاجها المريض ونوعها، كذلك تحديد الحاجة إلى نقل الدم وكميته.

حقيقة فطبيب التخدير مسؤول عن كل ما يلم بمريضه ومراقبة عمل كل أعضائه والتدخل عند أي اضطراب، ويتعامل كذلك مع كل مضاعفات التخدير والجراحة حتى وضع المريض على طاولة الجراحة بحيث لا تتأذى أي من أجزاء جسمه نتيجة وضع خاطئ.

وطبيب التخدير يبدأ التخدير وينهيه ويشرف على كل لحظة من عمر الجراحة ولا يمكنه أبداً أن يغادر قبل إفاقة المريض والاطمئنان على سلامته تماماً.

3- حقنة الإفاقة
يعتقد البعض أنه كما توجد حقنة تبدأ التخدير فهناك واحدة أخرى تنهيه وعندما نرغب في إفاقة المريض من أثر المخدر فإننا نحقنه بها وهو الأمر العاري تماماً من الصحة.

حقيقة الأمر أنه لا يوجد دواء نعطيه عادة لعكس مفعول الأدوية المخدرة، نحن فقط نترك أثرها لينتهي أو ليتخلص منها الجسم.

وفي حالة المخدرات الوريدية فأغلبها ينتهي أثره بعد دقائق معدودة عن طريق ما يعرف بإعادة التوزيع، فعند حقن الدواء للمرة الأولى فإنه يسبح مع الدم في كل أجزاء الجسم، لكن المنطقي أن يذهب في البداية للمناطق من الجسم التي يمر بها كميات كبيرة من الدم ليذوب في دهونها ويبدأ عمله، هذه المنطقة هي المخ.

ثم بعد ذلك ينسحب من هذه المنطقة ويبدأ في التركز في مناطق غزيرة الدهون لكن تغذيتها الدموية ضئيلة، هذه المناطق هي الخلايا الدهنية في الجسم، هكذا في البداية يقصد المخدر للمخ ثم يعاد توزيعه لمناطق دهنية أخرى غير المخ فيقل تركيزه هناك ويستيقظ المريض بعد دقائق قليلة نتيجة لذلك، فيما بعد يتم أيضُ هذا المخدر تدريجياً لكم كما ذكرنا فالإفاقة تحدث نتيجة إعادة التوزيع وليس الأيض.

وفي حالة المخدرات الاستنشاقية فيتم التخلص منها سريعاً عن طريق الجهاز التنفسي، وهو ما يسبب إفاقة سريعة منها بمجرد وقف ضخها للمريض بعد دقائق معدودة.

لكن ربما العقار الوحيد الذي يحتاج للمساعدة في عكس عمله هو باسط العضلات، إلا أن باسط العضلات ليس بمخدر لكنه يقلل من توتر العضلات، وبالتالي يقلل من جرعات المخدر التي نحتاجها، يحتاج باسط العضلات لحقنة بعد انتهاء التخدير لتساعد في عكس عمله لكن عقاقير التخدير نفسها لا تحتاج لذلك.