التكاليف الصحية للإصلاح الضريبي

12-02-2018
حكيم نيوز
ديفد بلومنثل

قد يكون قانون الضرائب الشامل الذي وقّع عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 22 ديسمبر/كانون الأول 2017، بمثابة هدية عيد الميلاد، ولكن بالنسبة للملايين من الأميركيين الذين ستزداد أوضاعهم الصحية سوءا بسبب هذا القانون، فاٍن هذه الهدية تشبه فيلا أبيض مكلفا.
سيؤثر قانون خفض الضرائب وخلق فرص العمل على نظام الرعاية الصحية بالولايات المتحدة في ثلاث جوانب رئيسية: أولا، سيعمل على إلغاء ما يسمى بـ"الولاية الفردية"، وهو بند من قانون الرعاية بأسعار معقولة لعام 2010 (أوباماكير) الذي يفرض غرامة ضريبية على الذين ليس لديهم تأمين صحي.

ووفقا لمكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي (CBO)، فإن إلغاء هذا البند سيخفض عدد الأميركيين المؤمن عليهم بمقدار 13 مليونا خلال العقد القادم، ويزيد متوسط أقساط التأمين الصحي بنحو 10%. وعلاوة على ذلك، من شأن إلغاء الولاية الفردية أن يؤثر سلبا على أسواق التأمين الصحي، لأن الأشخاص الأصغر سنا والأصحاء سيكونون أقل احتمالا لشراء التأمين.

ثانيا، يقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن القانون من شأنه أن يزيد العجز بمقدار 1.45 تريليون دولار خلال العقد المقبل، مما قد يؤدي إلى خفض الإنفاق الحكومي على برامج التأمين الصحي للمسنين والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة، مثل برنامج الرعاية الطبية "ميديكير" وبرنامج المساعدات الطبية "ميديكيد".

هذه البرامج هي من أكبر بنود ميزانية الدولة، حيث أنفقت تريليون دولار -أي 26% من الميزانية الاتحادية- في عام 2016. وستؤدي أي تخفيضات في هذه البرامج، من أجل تخفيض العجز، إلى إلحاق أضرار بليغة بأشد قطاعات السكان ضعفا.

ثالثا، سيؤدي هذا القانون الضريبي إلى خفض الإنفاق الاستهلاكي على الأدوية، وسيؤثر سلبا على الحال الصحية للفقراء فضلا عن المعرضين للخطر. وعلى الرغم من أن القانون تم التوقيع عليه باعتباره قانونا "لخفض الضرائب"، فإنه في الواقع سيؤدي إلى انخفاض الدخل "بعد حسم الضرائب" لحوالي 53% من الأميركيين، مع زيادة دخل 5% من أغنى المواطنين في البلاد.

ووفقا للجنة المشتركة للضرائب -وهي هيئة مستقلة تقيم المقترحات الضريبية أمام الكونغرس- فإن الأميركيين الذين يكسبون أكثر من مليون دولار سنويا، سيشهدون انخفاض فاتورة الضرائب السنوية بمتوسط 12.865 دولارا على مدى العقد المقبل. أما بالنسبة لأفقر الأميركيين، فإن العبء الضريبي سيرتفع خلال هذه الفترة.

 

تفاوت
كما سيخضع أولئك الذين يكسبون أقل من عشرة آلاف دولار في السنة لمعدل ضريبي سنوي متوسط قدره 152 دولارا، وسيحصل الذين يتقاضون ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف دولار سنويا على زيادة ضريبية قدرها 2563 دولارا في السنة.

ويؤثر مستوى الدخل بشكل كبير على الصحة. ووفقا لدراسة نشرت عام 2016 في مجلة الجمعية الطبية الأميركية، يعيش الرجال الأميركيون الذين هم من أعلى 1% من السكان دخلا لمدة 15 عاما أكثر من أفقر 1%، وبالنسبة للنساء في هذه المجموعات، فإن الفجوة تقدر بعشر سنوات.

وسيؤدي قانون الضرائب المعتمد إلى تفاقم هذا التفاوت، مما يقلل من دخل الأميركيين ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. وكثير منهم يعيشون بالفعل حياة أقصر، ويعزى ذلك جزئيا إلى أزمة "الأفيونيات" التي دمرت جزءا كبيرا من البلاد. في عام 2016 -على سبيل المثال- انخفض متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة للسنة الثانية على التوالي، بنسبة 0.1 سنة، إلى 78.6.

وبما أن الفقراء والعاطلين عن العمل وغير المؤمن عليهم يعانون بشكل كبير من تعاطي الأفيون والإدمان عليه، فإن قانون الضرائب الجديد سيزيد من الخطر المحدق بصحتهم. ويمكن أن يؤدي انخفاض الدخل وارتفاع العجز في الميزانية إلى انخفاض في استقرار سوق التأمين الصحي والحد من برنامج المساعدات الطبية "ميديكيد"، والذي يسدد تكاليف وصفات طبية لدواء نالوكسون، وهو دواء يستخدم لعكس الجرعات الزائدة من المواد الأفيونية.

وتظهر مؤشرات الولايتين الأكثر تضررا من وباء الأفيون صورة واضحة للغاية. وفي العام الماضي، كشف باحثون من جامعة هارفارد أنه في ولاية ماساتشوستس -حيث تم توسيع نطاق التغطية الطبية في السنوات الأخيرة- تم تجنب 868 وفاة متصلة بشبائه الأفيون في عام 2016. وفي الوقت نفسه، في ولاية تينيسي التي لم توسع البرنامج، تم تجنب 11 حالة وفاة ذات صلة بالمواد الأفيونية فقط. وخلص الباحثون إلى أن "توسيع التغطية الطبية ساعد على زيادة القدرة المالية للموظفين المسؤولين، وبالتالي زيادة استخدام دواء النالوكسون الذي أنقذ أرواح الكثيرين".

وتشكل الجوانب المظلمة من قانون الضرائب الجديد خطرا على الحال الصحية للأميركيين، من حيث: قلة الأميركيين المتمتعين بالتأمين الصحي، والحد من برامج الدولة، وانخفاض دخل الفقراء، مما يحد من فرص الحصول على العلاج من إدمان المخدرات. وكل ذلك سيؤثر سلبا على إنتاجية العمال، مما يقوض النمو العام للاقتصاد.

 

غير مطمئنة
ويرى بعض الخبراء أن التوقعات الأولية لمكتب الميزانية في الكونغرس حول تأثير إلغاء الولاية الفردية كانت غير مطمئنة، وأن العديد من الأميركيين سيشترون التأمين حتى بعد إلغاء الغرامة. وبطبيعة الحال، لیس ھناك ما یضمن أن یتم خفض الإنفاق علی برامج ميديكير وميديكيد، نظرا لأن توسیع میدیكید بموجب قانون أوباماكير جعل البرنامج أكثر شعبية بین من یستخدمه.

ولكن حتى لو ثبت أن هذين الافتراضين لا أساس لهما، فإن النتائج غير المقصودة لقانون الضرائب الجديد ستظل تهدد رفاه الأميركيين. وسرعان ما وافق الكونغرس على هذا القانون ووقعه الرئيس دون أي نقاش هادف حول آثاره المحتملة على نظام الرعاية الصحية. لقد بدأت أحكام هذا القانون تدخل حيز التنفيذ، لذلك فاٍن السياسيين ملزمين بإيلاء اهتمام أكبر بهذا الشأن، وإلا فإن هذا القانون سيكلف الأميركيين شيئا أكثر قيمة من المال: صحتهم.
_______________
* المنسق الوطني السابق لتكنولوجيا المعلومات الصحية، ورئيس صندوق الكومنولث.
المصدر : بروجيكت سينديكيت