صديقي يفكر في الانتحار.. ماذا أفعل؟

14-04-2018
حكيم نيوز
د. شهاب الدين الهواري

 كان لقاؤنا السابق بمثابة مدخل ضروري لهذا المقال الذي أكتبه كجواب لأسئلة واستشارات عديدة تصب في نفس الاتجاه، وهذا السؤال الملحّ هو: ما الذي يمكنني تقديمه إن علمت بتفكير أحد الأصدقاء أو المقربين في الانتحار؟ وهل يمكن إحباط التفكير الانتحاري، أم أنه ما إن 
يخطط أحدهم لإنهاء حياته يصبح الأمر أبعد من محاولات التدخل؟
كان هدفي من المقال السابق أن نفهم أن الانتحار هو محاولة تكيّف باتخاذ أفضل الخيارات المتاحة للتعامل مع وضع ضاغط وغير محتمل، وهذا يفتح الباب لفهم كيفية التدخل لمساعدة شخص عزيز يفكر في الأمر، وقد يكون من المفيد أن نعرف أن هناك مليون إنسان يُقدمون على إنهاء حياتهم والانتحار كل عام، وهذا الإدراك يساعدنا على عدم التهوين من أهمية الموضوع، فهناك الكثيرون ممن يقف التديّن كآخر خط دفاع يمنعهم من الانهيار.


* علامات منذرة بأن أحدهم يفكر في إنهاء حياته
أولى خطوات تقديم المساعدة هو التعرف على العلامات المنذرة، ولذا إليك خمس علامات تنذر بتفكير صديقك أو الشخص المقرب لك في الانتحار، وهي:
١- نمط التفكير الانتحاري
وهو طريقة تفكير يغلب عليها فقدان الحيلة، ورؤية الحياة خالية المعنى وخارجة عن القانون أو النظام، وكذلك الحديث عن فقدان السيطرة وخروج الأمر عن قدرة الشخص على التعامل.

٢- الوجدان المرتبط بالانتحار
هناك طيف من المشاعر يرتبط بالتفكير في الانتحار، فمن الشعور بالوحدة الضاغطة والعزلة حتى في صحبة الآخرين، والشعور بالخزي أو العار وكراهية النفس والآخرين. وكذلك التحسن المفاجئ وغير المبرر في الحالة المزاجية، وكذلك التقلبات المزاجية الحادة والمتطرفة، وقد ينتج التحسن المفاجئ في الحالة المزاجية عن الوصول أخيراً إلى حل جذري من وجهة نظره "الانتحار"، وقد يتسبب التحسن السريع على مضادات الاكتئاب في تنشيط خطط مؤجلة للانتحار، اعتماداً على الطاقة ونشاط الإرادة بفعل مضادات الاكتئاب.

٣- تعليقات وتعبيرات مرتبطة بالانتحار
بعض التعبيرات والتصريحات لا ينبغي أخذها على محمل الهزل، مثل: "بناقص الحياة كلها"، "حياتكم هتبقى أحلى من غيري"، "سأرحل وستندمون"، "مش هضايقكم كتير"، "مش هكون موجود ساعتها عشان أتصرف"، "أنا عارف إني تقلت عليكم"، "مفيش في إيدي حاجة اعملها"، "ياريت الواحد يموت ويرتاح". كل هذه التعبيرات لا ينبغي التندر بشأنها، بل أخذها على محمل الجد، فقد تعني أن صاحبها يفكر في الانتحار.


٤- سلوكيات مريبة تستدعي الانتباه
هناك بعض السلوكيات التي تستدعي الانتباه مثل: العزلة والانسحاب المجتمعي، والتخلي عن روتينات الحياة والمهام المعتادة، أو القيام بقدر أزيد من الطبيعي، أو حدوث تغير مفاجئ في روتين اليوم.

٥- علامات خطورة عالية
هناك بعض العلامات لوجود خطة انتحار نشطة، وهي: كتابة وصية، أو التبرع بمبالغ مالية كبيرة، أو إهداء مقتنيات ثمينة، أو زيارة الأهل والأصدقاء بدرجة غير معتادة، وأخيراً شراء أدوات خطرة كالعقاقير غير الموصوفة أو أحبال أو مسدس.

* ما الذي يمكنك فعله إذا وجدت واحدة أو أكثر من هذه العلامات
والسؤال الآن، ما الذي يمكنك فعله؟ وهل يمكنك فعل شيء أم أنه ما أن يفكر المرء في الانتحار حتى يكون الأوان قد فات لتقديم الدعم؟ فيما يلي سأوجز لك بعض النقاط التي يمكنك استغلالها لتقديم الدعم لصديقك متى شعرت بتفكيره في الانتحار.
١- تكلم بوضوح وانفتاح
اجتهد أن تكون حقيقياً ومتعاطفاً، فبدلاً من قول: "هل يئست من الحياة؟" يمكنك قول: "لقد لاحظت أنك لم تعد تستمتع بخروجنا سوياً مع أنك لم تكن كذلك"، واجعل تناولك للموضوع تعبيراً عن اهتمامك.


٢- فاتح صديقك في الأمر
لا، لن يفاقم فتح الموضوع المشكلة، مجرد مناقشة فكرة الانتحار لا يلقي بها في عقل من أمامك، وغاية الأمر أنك قد تلتقط خيطاً كان سيفوتك لو تغاضيت عن الأمر. لذا، إن شعرت بضرورة مناقشة صديقك عما إذا كان يفكر في الانتحار فافعلها، ولا تخف من طرح أسئلة مثل: "كيف تتأقلم مع الحادث؟" و"هل تراودك أفكار بفقدان الأمل؟"، "هل يراودك التفكير في الموت؟"، "هل حاولت أو تفكر في إيذاء نفسك؟!". ومجدداً، لن تزرع هذه الأسئلة أفكاراً ليست موجودة بالفعل.

٣- يمكنك تقديم الكثير
قد لا يحتاج من يفكر في الانتحار إلى تقديم حلول أو التدخل الفعلي لحل مشكلة، بقدر ما يحتاج إلى من يسمعه ويفهمه، ويتفهّم أن تفكيره في الانتحار ليس مبرراً لانتقاصه أو ازدرائه لأنه -كما ذكرت- هو أفضل الحلول المطروحة أمامه، وابتعد عن الجمل الجارحة مثل: "الموضوع مش مستاهل، أنت ليه مكبره؟"، أو "مفكرتش في الناس اللي هتؤذيهم بقرارك ده؟"، ويمكنك استعمال جمل مثل: "أنا أدرك صعوبة التعامل مع الظروف التي تمر بها".

٤- إحباط محاولة نشطة
إذا تأكدت من وجود خطة بالفعل، فاسأل عن التفاصيل والأدوات، وقم بالتخلص من كل الأدوات محل الشك، وتأكد من الحصول على وعد حقيقي بأنه سيخبرك قبل أن يفعلها، وانتبه قبل أن تقول ذلك، تأكد من جاهزيتك للوفاء بذلك وبقدرتك على التواجد بجواره وتقديم الدعم له في هذه الأثناء، وإذا شعرت بسخونة الفكرة فلا تتركه بمفرده.


٥- أشرك الآخرين معك
لا يمكنك تقديم مساعدة لشخص يرغب في الانتحار بمفردك، ومن المهم التأكد من اشتراك بقية الأفراد المعتبرين محل الثقة من صديقك، ويمكنك الاتصال بالخط الساخن للانتحار إن كان متوافراً في بلدك، وتشبث بضرورة طلب مساعدة متخصصة.

٦- تأكد من حصولك أنت على الدعم
قد يكون تقديم الدعم لشخص انتحاري من أكثر الأشياء استنفاذاً للطاقة والجهد، بل قد يحرك الماء الراكد داخلنا نحن، أو -على الأقل- قد يستهلك طاقتنا النفسية، ويؤثر على مستوى أدائنا ونشاطنا، ولذا فمن الضروري حصول مقدم الرعاية على الدعم، وإيجاد متنفسات للطاقة التي نتلقاها من خلال مساحة أنشطتنا السارة وعلاقاتنا الصحية.

* وجودك فارق
ولندلل لك على أهمية وجودك بجوار شخص يرغب في الانتحار نحكي لكم القصة التالية: "في منتصف إحدى الليالي رن هاتف المنزل الخاص بالدكتور ڤيكتور فرانكل، رفع السماعة وإذا بفتاة شابة في الطرف الآخر تخبره أنها قد عزمت على الانتحار، حاول فرانكل تقديم الدعم، واستعمل كل ما لديه من أدوات علاجية يمكنه استعمالها خلال مكالمة هاتفية لإثنائها، ولم يضع الهاتف حتى وعدته أنها قد تراجعت عن خطتها. ترددت بعد ذلك كعميلة لديه في العيادة، وبعد مدة سألها عن ليلة الانتحار: "أي أداة بالضبط مما استعملت كانت الأكثر جدوى في إثنائك عن خطتك؟!". فقالت: "ولا واحدة منها، ولكنني شعرت أن عالماً به رجل يظل ساهراً بشغف على هاتف فتاة غريبة لمنحها فرصة أخرى في الحياة هو عالم يستحق منحه فرصة أخرى".