نوبات الهلع.. إنذار الخطر مستمر

02-06-2018
حكيم نيوز
د. أميرة بدران

 حتى تتمكن من مواجهة نوبات الهلع التي تزعجك؛ فأنت تحتاج أن تفهم ماهيتها، وأن تفهم ما يحدث بداخلك على مستوى المشاعر والأفكار والجسد، وأسباب حدوثها لك أنت تحديدا؛ لتتمكن من مواجهتها، والتخلص منها بجهدك الذاتي، فإذا لم تتمكن من التخلص منها؛ فلا تتكاسل، أو تتلكأ في التواصل مع متخصص نفسي ماهر يتمكن من وضع خطة علاجية متكاملة تتناغم مع قدراتك وطاقتك النفسية، من خلال علاج دوائي ونفسي. والآن دعنا نتحدث سويا عن ماهية تلك النوبات.

* ماهية نوبات الهلع
الخوف إحساس طبيعي موجود في داخلك وداخلي وداخل كل البشر، وهو ليس طبيعيا فقط؛ لأنه موجود، بل هو "ضروري"؛ لتحمي نفسك من الأذى، وتحافظ على بقائك في صحة وعافية؛ فلولا الخوف على النفس لكنت أنت وأنا وغيرنا في حالة صحية سيئة، وبجسد متألم، أو عاجز؛ ولولا خوفك عند سماع صوت مريب غريب في منتصف الليل في بيتك؛ ما تمكنت من الجري الرشيق السريع للإمساك باللص، ولولا خوفك من ألم لمس النار لاحترقت، ولولا الخوف من العجز البدني أو الموت، لكنت انتقلت خلال الشوارع من دون أن تنظر للسيارات المسرعة في كلا الاتجاهين.

والحقيقة الأكبر هي أن لدى جسمك وجسمي وأجسامنا جميعا جهاز إنذار يعمل بقوة وسرعة حين تصل له رسالة خطر، ومهمة هذا الجهاز هي الحفاظ عليك سليما ومعافى، ويقوم هذا الجهاز بوقف ما لا يعتبره هاما في لحظة الخطر، ويقوم بتشغيل كل ما يمكن تشغيله، وتفعيله وقت الخطر من أجلك أنت، ومن أجل سلامتك؛ فحين تشعر بالخطر تختار موقفا من ثلاثة.. إما أن تركض بسرعة جدا لتهرب من موقف الخطر، أو تواجه بقوة وتشتبك مع الخطر، أو أن تثبت تماما بلا هروب أو مواجهة "فتتجمد"؛ لأنك لن تتمكن من المواجهة أو الهروب.

وفي العادة يقوم جسمك بإطلاق إنذارات تساعدك على اختيار واحد من الاستجابات الثلاثة لتقوم بأحدها؛ بهدف المحافظة على بقائك وسلامتك؛ وفي أقل من دقيقة يهرع الدم سريعاً جداً ليضخ بقوة؛ فتتسارع دقات قلبك، ويتسارع التنفس لتوفير الأكسجين الكافي لحركة العضلات المختلفة لتتمكن من الجري السريع، وتتسع حدقة عينك لتتمكن من رؤية أكبر؛ لتستفيد من ذلك في المواجهة أو الهرب، ويتوقف ضخ الدم في جهازك الهضمي لتوفيره في الجري، ويخرج العرق لتبريد الجسم، وتسهيل مهمته المطلوبة، وتحدث هذه التغيرات عبر إفراز الكثير من الهرمونات التي تساعد على المواجهة.

هذا هو جهاز الإنذار الذي يحميك عند الخطر، والمشكلة ليست في وجود هذا الجهاز، ولكن المشكلة في أنه، بشكل أو بآخر، صار يعمل في غير الوقت المخصص له؛ فتجد نفسك في حالة مزرية مربكة مرعبة من دون حدوث شيء يتطلب ذلك؛ وتتسارع دقات قلبك من دون أن تدري ما هذا ولا لماذا؟ وتعرق وتختنق في وقت لا يوجد فيه ضرورة، وإن كنت قد أكلت وذهب الدم في مكان أهم الآن لتفادي خطر غير موجود؛ فستشعر بالغثيان والقيء، وغير ذلك من الأعراض، ناهيك عن الأفكار المزعجة المخيفة التي تفسر ما يحدث بعيدا عن التفسير النفسي؛ كالذبحة الصدرية، أو عدم سلامة القلب، أو الاحتضار، أو القرب من الجنون.

إذن نوبة الهلع.. هي استجابة جهاز إنذارك الذي يعمل لحمايتك في حالات الخطر ليحافظ على بقائك وسلامتك، ولكن المشكلة في حدوث هذه الاستجابة في أوقات طبيعية لا يوجد فيها خطر حقيقي؛ والحقيقة أن نوبة الفزع في الأوقات الطبيعية هي إنذار "كاذب" يسبب رعبك، وهي نوبات شائعة جدا ومعروفة، وأصابت وتصيب الكثيرين غيرك، وهي ليست خطرا حقيقيا، كما تظن، فأنت سليم تماما من الناحية العضوية، وكل ما تحتاجه هو إصلاح هذا الخطأ في جهاز إنذارك ليعمل فقط بشكل طبيعي في أوقات الخطر.

* لماذا أنت تحديدا من يعاني من نوبات الهلع المزعجة تلك؟
لا تتصور أن ما تعانيه يرجع لضعفك، أو لوجود شيء يشعرك بالخزي أو الخجل في شخصك؛ ولكنك شخص "حساس" ورثت حساسيتك تجاه الضغوك، وقابليتك المفرطة للقلق من أحد والديك أو من كليهما أو من العائلة الأكبر؛ وحساسيتك المفرطة جعلتك تحتاج لتعامل يتميز بالرقي والرفق والذكاء ممن يرعاك أثناء القيام بمهام تربيتك، وبحيث يختار الطرق التربوية التي تحقق الأهداف، وفي نفس الوقت تراعي كونك حساسا للضغوط، وبشكل عام فإن الضغوط النفسية التي نتعرض لها في حياتنا تأخذ أشكالا متنوعة منها:

1. الأحداث الضاغطة
كالاختبارات خصوصا الفارقة، كفقدان مفاجئ لشخص قريب وعزيز لديك، أو عدم القدرة على التعامل مع أشخاص يختلفون عنك بشكل دائم، أو الاضطرار إلى القيام بعمل يشهده ناس كثيرون، أو التعرض للتقييم والمقارنات، أو المواجهة بأشكال مختلفة وعلى مستويات متعددة، أو تحمل المسؤوليات المتنوعة.. إلخ؛ ولحساسيتك الزائدة، فإن جهاز إنذارك الداخلي يطلق إنذاراته الكاذبة في حالة التعرض المتكرر لمثل تلك الضغوط وغيرها.. ورغم أن هذه الضغوطات لا تشكل تهديدا على حياتك إلا أن جهازك النفسي بسبب أفكار راسخة في داخلك استقبلها على أنها مهددات للحياة؛ وتعامل معها من هذا المنطلق.

2. الأسباب الصحية
التعرض الفعلي لوعكات أو وعكة صحية؛ فيزداد قلقك عن الحجم الطبيعي؛ بسبب حدوث فقد لأناس كانوا قريبين جدا منك نفسيا، وتعرضوا لمرض كان سببا في فقدانهم، وزاد قلقك مع تغير المناخ العام الصحي الذي أفرز أمراض فتاكة لم تكن معروفة؛ فتنتظر حدوثها، أو تتوقعها، بل وأحيانا تلهث وراء تتبعها.

3. الضغوط النفسية
والتي تراكمت في داخلك من دون وعي منك، بسبب إساءات نفسية متكررة مع حساسيتك؛ جعلت طاقة جهازك النفسي أقل من السابق؛ مما جعل تعرضك لأي ضغوط نفسية ولو بسيطة تؤدي إلى نوبات الفزع.

4. أسباب غير متوقعة
شاهدت بعض حالات الهلع التي تعرضت لأول نوبة بسبب غير متوقع؛ كالتي فاجأتها نوبة هلع حين شاهدت فيديو لحادث، أو أثناء مشاهدة فيلم كوميدي في السينما، أو حين رأى حشرة أو برصا، أو شاهد أشخاصا فقراء فقرا مدقعا دفعهم إلى النوم على أرصفة الشارع بدون غطاء في الشتاء.. هذه الأسباب غير متوقع أن تؤدي إلى حدوث نوبة هلع، وإن كان التراكم النفسي الداخلي هو السبب الرئيسي والموجود في الخلفية.

5. الأسباب الروحية
والتي يمكن مجازا أن نسميها الأسباب التي تتعلق بالجزء الغامض من قناعتنا التي تتعلق بما نعتقده بناء على الدين الذي نؤمن به؛ كالأحداث المتوقعة بعد الموت، والقبر، والحساب، وغيره.

6. الأسباب المادية
والتي تبدو من الخارج أنها ناتجة عن القلق الشديد من عدم القدرة على تسديد الاحتياجات المادية والمالية لما هو ضروري من وجهة نظر الشخص القلق، وإن كان السبب العميق لذلك هو الخوف الشديد من حدوث مكروه معنوي لنا، أو لمن نحن مسؤولون عنه.

هذه بعض الأسباب التي تجعلك أنت دون الآخر الذي قد يتعرض لنفس تلك الأسباب، تصاب بنوبات الهلع، وقد يكون مفيدا أن نتعرف على الأسباب التي تجعل نوبات الهلع مستمرة؛ لتتعلم تفاديها، وهذا ما سنتعرف عليه في المقال التالي.صحتك