العلاج الوهمي.. كيف يصبح حقيقة؟

الدواء الوهمي ليس له تأثير واحد (بيكسابي)

12-06-2018
حكيم نيوز

يكافح نظام المناعة في أجسامنا الأمراض وفقا لمنطق الربح والخسارة، لذلك ربما يلعب العلاج الوهمي دورا مهما في هذا النظام، فأحيانا يجعل العلاج الوهمي الإنسان يصدق أن الدواء الذي يتناوله سيكون سببا في شفائه، ويدفعه للاعتقاد بأن نظام المناعة في جسمه سوف يتغلب على المرض.

في عام 1996، أُجريت تجربة على نوع جديد لدهان مسكن للألم يسمى "Trivaricane" على نحو 56 طالبا، وضع المرهم على إصبع أحد الطلاب وانتظر الأطباء تأثيره، وقام الأطباء بعد ذلك بالضغط بشكل مؤلم عن طريق كماشة على الإصبع الذي وضع عليه المرهم، بالإضافة إلى إصبع آخر خالي من المرهم.

أوضح الطلاب أنهم شعروا بألم أقل في أصابعهم التي وضع عليها المرهم، على الرغم من أن العلاج لم يكن حقيقيا وليس له أي تأثير مسكن، وهذا ما يطلق عليه تأثير العلاج الوهمي.

عندما يحاول الأطباء عمل اختبارات لتأثيرات الأدوية، فإنهم يقسمون مرضاهم إلى مجموعتين في العادة، تُمنح المجموعة الأولى علاجا حقيقيا، بينما تُمنح المجموعة الأخرى أدوية تحتوي غالبا على سكر أو ملح (العلاج الوهمي)، وليست لها أي تأثيرات علاجية.

فإذا أظهر العلاج الوهمي المعروف طبيا باسم "بلاسيبو" (Placebo) تأثيرات علاجية تفوق مفعوله المتوقع، فإنه يتم اعتماد النتيجة بأنه يمكن استخدامه في علاج هذا النوع من الأمراض.
جزء من ادعاءات التحسن والشفاء المتعلقة بالعلاج الوهمي هي ذاتيةٌ بحتة (بيكسابي)

تأثيرات علاجية مختلفة
وبالطبع، يجب تأكيد أن الدواء الوهمي ليس له تأثير واحد، وإنما ربما تكون له مجموعة مختلفة من التأثيرات العلاجية. علي سبيل المثال، فإن بعض التحسنات المتعلقة بالدواء الوهمي "بلاسيبو" هي في الواقع تحسن طبيعي جدا للمرض، أو بعبارة أخرى سوف يتحسن المريض حتى وإن لم يتناول علاجا وهميا.

مجددا، إن جزءا من ادعاءات التحسن والشفاء المتعلقة بالعلاج الوهمي هي ذاتيةٌ بحتة، فيمكن أن يشعر المريض بالشفاء حتى وإن لم يشعر بالتحسن، أو يمكن للمريض أن يزعم التحسن بسبب حاجته إلى الإجابة بشكل إيجابي على سؤال الأطباء "هل تشعر بالتحسن؟"

ومع ذلك، فمن المعروف أن العلاج الوهمي قد تكون له تأثيرات موضوعية وفسيولوجية على الدماغ والجسم. علي سبيل المثال، يمكن أن يؤدي تأثير العلاج الوهمي إلى تغيرات في كيمياء الدماغ المتعلقة بمرض الباركنسون المسبب للاكتئاب والقلق، وسرعة ضربات القلب، وآلام الضغط.

ويجب التذكير بأن تأثير العلاج الوهمي لا يعمل من تلقاء نفسه فى أمراض مثل السرطان والربو، إلا أن تأثيراته تأثيرات نفسية فقط، وإن الدراسات العلمية كانت تثبت هذا الاتجاه.

حسنا، ما الشيء الذي يحقق تأثير العلاج الوهمي؟ وكيف يمكن أن يسهم اعتقادنا عن علاج ما أنه مفيد في شعورنا بالشفاء؟

هناك نظرية مثيرة جدا للاهتمام للطبيب النفسي نيكولاس هيمفري، في جامعة كامبريدج، يقول نيكولاس هيمفري إن الإنسان لديه نظام لإدارة صحته ومناعته، وأن أجسامنا تحارب الأمراض وفقا لمنطق الربح والخسارة، وإن ردود الأفعال التي يعطيها الجهاز المناعي مثل الحمى والغثيان والإسهال، والاكتئاب والألم، هي تفاعلات طبيعية يطورها الجسم ضد الأمراض.

ولكن يوجد ثمن لردود الأفعال هذه، فتؤدي هذه الردود إلى نتائج قد تكون ضارة بصراع الإنسان ضد الأمراض من أجل البقاء، مثل حرق السعرات الحرارية الزائدة، وإخراج الطعام والسوائل، أو تشتيت الانتباه والتركيز، أو التسبب فى الإصابة بأمراض أخرى.

علي سبيل المثال أحيانا يتخلص الإنسان من السوائل والمواد الغذائية التي في جسمه عن طريق التقيؤ، أو عندما ترتفع درجة حرارة الجسم بمقدار 1 تزداد نسبة الطاقة التي يستهلكها الجسم بمعدل 10-15%، وبالتالي فإن ارتفاع درجة حرارة الجسد بشكل مبالغ يمكن أن يدمر الدماغ.
العلاج الوهمي قد تكون له تأثيرات موضوعية وفسيولوجية على الدماغ والجسم (بيكسابي)

صراع
قد لا يدخل هذا النظام في صراع حاد مع الأمراض وفقا لمنطق الربح والخسارة هذا دائما، مثلا درجة الحرارة ترتفع بشكل أقل عند النساء الحوامل أو الأشخاص الذين يعانون من مرض نقص الغذاء، لأن النظام المناعي لهؤلاء يحاول الحد من نقص الغذاء لديهم.

من ناحية أخرى، تم إثبات وجود هذا النظام في الحيوانات أيضا بواسطة تجارب أجريت، ففي عام 2002 أجرى راندي نيلسون وزملاؤه من جامعة أوهايو تجربة مثيرة جدا للاهتمام على الفئران، فتم إعطاء الفئران مادة كيميائية لها نفس مفعول العدوى البكتيرية، تم تعريض الفئران إلى الضوء لفترة قصيرة أثناء وجودها في أقفاصها بشكل مشابه لأيام الشتاء القصيرة، ثم تم تركها في الظلام، لوحظ خلال هذه التجربة أن جهاز المناعة لدى الفئران لم يقاوم العدوى.

بعد ذلك أعطي الفئران المادة الكيميائية نفسها، ولكن هذه المرة مدة تعرضهم للضوء كانت أطول، مما يعطي الانطباع بأنهم في فصل الصيف؛ فبالتالي أصبح جهاز المناعة نشطا وحارب العدوى تحت هذه الظروف، ففي فصل الشتاء تكون فرصة العثور على الطعام بالنسبة للفئران أقل بكثير مقارنة بالصيف.

فتنشيط الجهاز المناعي يسبب فقدان الجسم للطاقة، لذلك فضل الجسم بكل قوته عدم تنشيط الجهاز المناعي ضد مرض نقص الغذاء في الشتاء، في حين اختار تنشيطه في الصيف.

ولكن ما علاقة هذا بالعلاج الوهمي؟ وفقا لهمفري فإن تأثير العلاج الوهمي يرتبط بشكل مباشر بالنظام الإداري للصحة في أجسامنا، وبالتالي يجعل هذا التأثير الإنسان يعتقد بأن العلاج الذي يتناوله سيشفيه ويساعده في تغلبه علي المرض، نتيجة لذلك يأخذ الجسم قرارا بمكافحة الأمراض وفقا لمنطق الربح والخسارة، فيحارب الجسم الأمراض بكل قوته وإمكانياته، لذا فإن العلاج الوهمي ليس ظاهرة غير مفهومة فكريا كما يدعي البعض.
_______________
* هذا المقال منشور بتصرف من موقع فكريات التركي، وهذا رابط المقال الأصلي.