كيف يخدع الرياضيون خصومهم بـ "النظرة الهادئة"؟

يرى الباحثون أن أفضل اللاعبين يتحكمون في انتباههم البصري قبل التصويب، رغم أنهم ربما لم يتعمدوا التدرب على هذه المهارة

07-07-2018
حكيم نيوز

 

 

إذا أردت أن تعرف من سيفوز في مباراة كرة القدم أو التنس، دقق النظر في أعين اللاعبين، حتى لو كانوا على وشك الهزيمة.
في بطولة أستراليا المفتوحة للتنس عام 2003، كانت سيرينا ويليامز، لاعبة التنس المخضرمة، قاب قوسين أو أدنى من الخروج من البطولة في الدور قبل النهائي. وبدلا من الاستسلام للهزيمة، اقتنصت نقطتين ثمينتين من منافستها كيم كلايسترز، واستطاعت، بطريقة ما، أن تحسم الأشواط الخمسة اللاحقة لصالحها وتفوز بالمباراة، ولاحقا لقب البطولة.

ليست هذه المرة الأولى التي تحول ويليامز الهزيمة إلى فوز، ففي بطولة استراليا المفتوحة في عام 2005، وويمبلدون 2009، والصين المفتوحة 2004، استطاعت ويليامز أن تستجمع قوتها وتنتزع الفوز من منافساتها قبل أن تحرز النقطة الحاسمة في المباراة. وقد بدا في كل مرة أن الضغوط الشديدة تزيد من قوة تركيزها وتقودها للفوز.
وتوصل علماء نفس وأعصاب إلى بعض العمليات الذهنية التي تميز صفوة الرياضيين المحترفين عن غيرهم. وكان أبرزها ظاهرة أطلقوا عليها "النظرة الهادئة"، وهو نوع من الانتباه البصري يسمح للاعب بالتركيز على هدف واحد وتجاهل جميع المشتتات الأخرى عند التخطيط للحركة التالية.

والعجيب أن هذا التركيز البصري تزداد أهميته كلما اشتدت الضغوط النفسية، وقد يساعد اللاعب في الوصول إلى حالة من الاستغراق الذهني الكلي وتحقيق أفضل مستوى في الأداء.

فضلا عن أن هذا التركيز الحاد لا يساعد الرياضيين والرياضيات وحدهم، إنما يساعد الجراحين أيضا عند إجراء الجراحات التي تتطلب مهارة فائقة. وقد يستعان به أيضا في الأغراض العسكرية.

يقول سام فاين من جامعة إيكستر: "توصل الخبراء إلى طريقة أفضل لزيادة فرص انتقال المعلومات من العين إلى الجهاز الحركي، بل وإيجاد قناة للتواصل المباشر والسلس بين العين والجهاز الحركي، حتى تصبح الحركات محسوبة وبالغة الدقة".


 

مجالات غير مطروقة

صاغت جون فايكرس، الخبيرة بعلم الحركة، مصطلح "العين الهادئة" من خلال خبرتها الخاصة في مجال التربية الرياضية وشغفها بالرياضة. إذ لاحظت فايكرز أن أداء الرياضيين ومهاراتهم تضعف وتقوى من يوم لآخر.

وتحكي فايكرز أنها ذات مرة على سبيل المثال أحرزت 27 نقطة في الشوط الأول فقط في مباراة لكرة السلة عندما كانت تلعب في فريق الجامعة. وفي مباراة أخرى للكرة الطائرة، حالفها الحظ في مجموعة ضربات إرسال موفقة. ولكن هذا الأداء الاستثنائي في المباراتين لم يتكرر، وفي اليوم التالي تزول لمساتها السحرية.

وتقول فايكرز: "استوقفني هذا الأمر، وصرت أتساءل كيف برعت في هاتين المباراتين، مع أنني لم أتغير بدنيا؟". وفي المقابل، كيف يحافظ اللاعبون المخضرمون الذين تحسدهم على أدائهم المبهر، على مستواهم؟

وشرعت فايكرز في إعداد رسالة الدكتوراة بجامعة بريتيش كولومبيا، واعتقدت أن السرَّ يكمن في الطريقة التي ينظر بها صفوة الرياضيين للعالم. وأمدّت مجموعة من لاعبي الجولف المحترفين بخوذات لمراقبة حركة أعينهم عند ضرب الكرات.

واكتشفت فايكرز أنه كلما كان اللاعب أفضل وأكثر تمكنا (قياسا بعدد التسديدات الموفقة)، طالت المدة التي يركز فيها بصره على الكرة قبل التصويب وأثناءه، في حين مال اللاعبون المبتدئون إلى تحويل انتباههم بين جهات مختلفة من المشهد، وكانوا يركزون على كل هدف لفترات أقصر.

هذه الدراسات لا تستعرض مزايا التركيز على الكرة بالطبع، فهذا أمر معروف، ولكنها تطرح فكرة مفادها أن بداية التحديق للهدف ومدته قبل التصويب ترتبطان ارتباطا وثيقا بتفوق اللاعبين في مختلف الرياضات، بحسب معايير تقييم الأداء الموضوعية.

وخلافا للاعتقاد الشائع بأن خبرة اللاعب ترتهن بسرعته في معالجة المعلومات ذهنيا، فإن نتائج دراسات فايكرز تفيد بأن الرياضي المخضرم يتمهل ويتروى في اللحظة الحاسمة. وتقول فايكرز، الأستاذة بحامعة كالغاري: "كنت أعلم أنني أدرس شيئا لم ينتبه إليه أحد من قبل".

ومنذ ذلك الحين، أجريت دراسات عديدة على الانتباه البصري للرياضيين أثناء اللعب في مختلف الرياضات من كرة السلة والكرة الطائرة إلى كرة القدم والتنس والرماية وهوكي الجليد.
ومما لا شك فيه أن اتجاه النظر يختلف باختلاف الرياضات وأنواع المهارات التي يعتزم اللاعب تنفيذها. ففي لعبة كرة السلة على سبيل المثال، ينبغي أن يحدق اللاعب في الحافة الأمامية من الحلقة المعدنية عند تسديد الرمية الحرة، وفي كرة القدم يجب أن يركز اللاعب بصره على الركن العلوي الأيمن أو الأيسر من الشبكة عند تسديد ركلة الجزاء. أما عن لعبة هوكي الجليد، فينبغي أن يركز حارس المرمى بصره على الكرة المطاطية قبل أن تفارق مضرب لاعب الفريق الخصم.

ومهما اختلفت زاوية النظر، فإن مدة الانتباه البصري قبل اللحظة الحاسمة هي الفيصل في تمييز اللاعب المخضرم من اللاعب المبتدئ. إذ ذكر الباحثون أن اللاعب المخضرم يركز بصره على الهدف أو الكرة قبل التصويب لمدة أطول بنسبة 62 في المئة مقارنة باللاعب المبتدئ.

والأهم من ذلك، أن الاختلافات في مدة التركيز البصري وبدايته ارتبطت بتدني أداء اللاعب أثناء المباراة، وهذا يؤكد أن التحكم في الانتباه البصري قبل التصويب يمثل إحدى العمليات الذهنية التي تزيد من فرص اللاعب في تحقيق أفضل النتائج.

لكن كاميلو ساينز مونكاليانو، الذي أجرى دراسة مؤخرا عن سلوكيات الانتباه البصرى لدى لاعبي التنس، يرى أن أغلب اللاعبين اكتسبوا هذه السلوكيات في التركيز بالخبرة والتمرن ولم يتعمدوا تغيير حركة أعينهم.

ويقول: "ربما لا يعرف اللاعبون شيئا عن هذه الدراسات والمصطلحات، ولكنهم يدركون كيف يركزون انتباهم في المكان المناسب قبل التصويب. إنها مهارات فطرية".

غير أن فايكرز أثبتت أن مهارة "النظرة الهادئة" قد تكتسب أيضا بالتعلم. ففي إحدى تجاربها على فريق كرة السلة بإحدى الجامعات، ثبتت أجهزة متابعة حركة العين على خوذات الفريق لمعرفة اتجاه نظراتهم ومدتها عند التمرن على الرميات الحرة.

وقد تحسن بالفعل أداؤهم بنسبة 22 في المئة في الموسمين اللاحقين، في حين لم يتحسن أداء مجموعة اللاعبين الآخرين الذين لم يتمرنوا على هذه المهارات إلا بنسبة 8 في المئة. وفي نهاية الموسم الثاني ارتفع مستوى دقة الفريق في التصويب إلى حد أنه تجاوز متوسط دقة التصويب في الدوري الأمريكي لكرة السلة للمحترفين.

وتكررت نفس النتائج في الكثير من الاختبارات، إذ ساعد التدرب على التحكم في الانتباه البصري الكثير من اللاعبين المحترفين والهواة منذ ذلك الحين، بما فيهم الفرق القومية للكرة الطائرة والرماة المشاركون في الألعاب الأولمبية، في تحسين دقتهم في مختلف المهارات الحركية.

وأكد تحليل لدراسات متعددة عن تأثير التحكم في الانتباه البصري على أداء الرياضيين أن التركيز البصري لمدة أطول على الهدف قبل التصويب مباشرة يحسن كثيرا من أداء اللاعبين على المدى الطويل. وأفردت دورية العلوم الرياضية الأوروبية في عام 2017 عددا خاصا لاستكشاف هذه الظاهرة.


                     التدرب على محاكاة سلوكيات الجراحين المحنكين في التركيز البصري ساعد الأطباء المتدربين في تعلم المهارات الجديدة في فترة أقل وتأديتها بدقة عالية                 

دقة الجراحين

لم يقتصر الأمر على صفوة اللاعبين، إذ أثبتت دراسة أجرتها جامعة إيكستر على سبيل المثال أن التمرن على التحكم في الانتباه البصري قد يسهم في تحسين القدرات البدنية للأطفال الذين يعانون من اضطرابات التنسيق الحركي. ويجري فريق الباحثين الآن بعض الأبحاث السرية مع الجيش.

وأثبتت أبحاث فايكرز أيضا أن التمرن على التحكم في الانتباه البصري قد يساعد الأطباء في تعلم مهارات جديدة في فترات أقصر. إذ قاس الفريق المشارك في البحث مؤخرا المدة الزمنية التي يركز فيها الجراحون المتمرسون بصرهم على الهدف، ثم مرّنوا مجموعة من الأطباء المتدربين على محاكاة حركات أعين الأطباء المتمرسين.

ولاحظ الفريق أن هذا التدريب زاد من سرعة اكتساب المتدربين لمهارات جديدة وحسّن من دقتهم بشكل عام مقارنة بغيرهم من الأطباء الذين تلقوا تدريبات فنية تقليدية.

لكن المشكلة أن هذه التدريبات تعتمد على أجهزة خاصة باهظة الثمن لمراقبة حركة العين ورصد الاختلافات في زمن التركيز البصري الفعال التي قد تكون أقل من ثانية، وهو ما يعني أنها لن تكون متاحة لمعظم الناس. ولكن ساينز مونكاليانو يقول إن هذه التقنيات لا تزال في بدايتها، وإذا وُظف الواقع الافتراضي في تتبع حركة العين ستصبح هذه التدريبات ميسرة للجميع.

ويحاول الكثير من العلماء في الوقت الراهن إجراء أبحاث لمعرفة الأسباب وراء هذه الظاهرة، فمن الصعب النفاذ إلى عقل الرياضي لمعرفة الآليات العصبية وراء التحكم في الانتباه البصري أثناء ممارسة الرياضة.

لكن العلماء يجمعون على أن التركيز البصري هو وسيلة لجمع أكبر قدر من المعلومات. ويقول مونكاليانو إن التحكم في الانتباه البصري يسمح لك باستيعاب جميع المعلومات عن الأهداف في دائرة انتباهك، وهذا يساعد على إتقان الاستجابة الحركية.
وقد خلص بحث حديث إلى أن طول مدة التركيز يزيد ثقة اللاعبين ورباطة جأشهم في مواجهة الضغوط النفسية التي تضعف أداء اللاعبين في المعتاد.

وقد شارك في هذا البحث مجموعة من لاعبي كرة السلة الذين يتمرنون على الرميات الحرة، كان نصفهم قد تدرب على مهارة التحكم في الانتباه البصري. وتعرض اللاعبون لضغوط نفسية متعددة، تراوحت ما بين التعليقات السلبية ومقارنة أدائهم بآخرين.

وانخفضت الروح المعنوية لأغلب المشاركين وتدنت دقتهم في التصويب، ولكن المشاركين الذين تدربوا على التحكم في الانتباه البصري استطاعوا أن يتجاهلوا الأفكار السلبية وحافظوا على مستوى أدائهم حتى النهاية.

ولاحظ الباحثون من جامعة ايكستر أن طول مدة الانتباه البصري يزيد من احتمالات دخول اللاعب في حالة من الاستغراق الذهني أو التدفق، حين تستأثر المهمة التي تؤديها بانتباهك وتشغلك عن العالم بأكمله. والأغرب من ذلك، أن التحكم في الانتباه البصري يترافق مع تغيرات فسيولوجية في الجسم.

إذ لاحظ الباحثون أنه يؤدي إلى تهدئة دقات القلب لبعض الوقت، ويجعل حركة الأطراف أكثر سلاسة.

كل هذه الشواهد ترجح الرأي القائل إن التحكم في الانتباه البصري يحول دون التأثر بالمشتتات ويساعد اللاعب في السيطرة التامة على قواه العقلية والقدرات الحسية في اللحظات الحاسمة، مهما اشتدت الضغوط النفسية.

ويقول فاين إن ثمة عوامل أخرى بالطبع تساهم في تفوق اللاعب الرياضي وتألقه أثناء اللعب، ولكن العوامل النفسية يجب ألا يستهان بتأثيرها على أداء اللاعب. إذ أن الكثير من المعلقين يسلطون الضوء على القوة البدنية ويغفلون أهمية رباطة الجأش التي يتميز بها بعض اللاعبين، مثل سيرينا ويليامز.

وقالت سيرينا ويليامز لمجلة "سبورتس إيلاستريتد" في عام 2015: "لولا العقل، والعقل وحده، لما تمكنت من الفوز في أغلب المباريات التي خضتها، حتى في البطولات الكبرى". وقد يعود الفضل في ذلك إلى هذا النوع من التركيز البصري الهادئ أثناء اللعب.

وتضيف ويليامز: "إذا عاندك الحظ في المباراة وتفوق عليك الخصم، فعليك بالاسترخاء، وهذا ما أفعله. فأنا أكون أكثر استرخاء عندما يوشك الخصم على الفوز بالمباراة. وأنصح بالتركيز على نقطة واحدة فقط دون غيرها لبعض الوقت، ثم التركيز على نقطة غيرها، وهكذا". BBC