دمج الطلبة ذوي الإعاقة بين الحـلـم والـواقــع

31-08-2014
حكيم نيوز

 بقلم سمو الأمير مرعد بن رعد

منذ ان صدرت الارادة الملكية السامية بتعييني رئيساً للمجلس الاعلى لشؤون الأشخاص المعوقين وانا اتذكر كلمات والدي سمو الامير رعد بن زيد بان اواصل مسيرة العطاء وان اولي تعليم الطلبة ذوي الاعاقة جل الاهتمام. ولدى مراجعتي لكافة المعطيات والبيانات عن واقع تعليم الطلبة ذوي الاعاقة في الاردن واعداد الطلبة ذوي الاعاقة الملتحقين في المدارس الدامجة صدمت باننا وان كنا قد قطعنا اشواطا في تعزيز حق الطلبة ذوي الاعاقة في التعليم، الا ان اعداد الطلبة الذين هم في سن التعليم والملتحقين في المدارس لا زالت اقل بكثير من الطموح.
تساءلت كثيرا عن سبب ذلك وعن كيفية معالجة هذا الخلل وضمان عدم ضياع حق الطلبة باختلاف اعاقاتهم عن المدرسة؟؟....ومن المسؤول عن غياب هؤلاء الطلبة عن مقاعد الدراسة؟؟ او ليس التعليم الاساسي الزاميا حسب قانون وزارة التربية والتعليم؟؟؟ أم يتم استثناء الطلبة ذوي الاعاقة من تطبيق هذا القانون؟؟؟
اين يقضي بقية الاطفال من ذوي الاعاقة ممن هم في سن المدرسة اوقاتهم؟؟؟هل تراهم يهيمون في الشوارع دون رقيب؟؟؟ ام تراهم يلتحقون باحد مراكز التربية الخاصة؟؟؟ ام هم سجينو البيت لا يسمح لهم بمغادرته خوفا من وصمة العار؟؟؟
قضيت ليالي افكر من اين يجب ان نبدأ لنغير هذا الواقع؟؟؟
من المسؤول الاول عن تعليم الطلبة؟؟؟
ما دور الاهل في المطالبة بتوفير مدارس صديقة ومؤهلة للطلبة ذوي الاعاقة؟؟؟ ومن المسؤول عن توفير تلك المدارس؟؟
وما دور المجتمع في دعم حق الطلبة ذوي الاعاقة في التعليم؟؟؟
بل لقد تساءلت عن دور المجلس الاعلى لشؤون الاشخاص المعوقين في تعزيز ذلك الحق الذي لا يقل اهمية عن الحق في العيش الكريم...وهل ما نقوم به من جهود في المجلس تكفي؟؟؟ أم نحن بحاجة الى تغيير في مسار سياساتنا وبرامجنا لنتمكن من الوفاء بالتزاماتنا تجاه اتفاقية حقوق الاشخاص ذوي الاعاقة وخاصة فيما يتعلق بالمادة (24) والمتعلقة بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم دون تمييز وعلى أساس تكافؤ الفرص؟؟؟
لا زلت اذكر الفرحة التي كانت ترتسم على محيا سمو الوالد في حفل تكريم اوائل الطلبة من ذوي الاعاقة الناجحين في امتحان الثانوية العامة....كنت ارى مدى اعتزازه وفخره بما حققه هؤلاء الطلبة من نتائج.
والذي لا زلت اذكره من كلماته هو ان هؤلاء الطلبة اثبتوا ان عدم دمج الطلبة ذوي الاعاقة الملتحقين في المدارس لا يتعلق بعدم قدرة هؤلاء الطلبة على الالتحاق في المدارس...فلقد اثبت الطلبة انهم قادرون... بل يستطيعون الحصول على علامات مشرفة واحيانا اعلى من اقرانهم من غير ذوي الاعاقة والالتحاق باعرق الجامعات الاردنية وبمختلف التخصصات العلمية ....
اذا اين تكمن المشكلة؟؟؟؟؟
لقد حرص المجلس الاعلى لشؤون الأشخاص المعوقين ومنذ انشائه العام 2008 على العمل على تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الاعاقة مع افراد مساحة واسعة لحق التعليم وايجاد النماذج الريادية للبرامج والخدمات المقدمة واصدار معايير جودة الخدمات والبرامج المقدمة للاشخاص ذوي الاعاقة وشراء الخدمات التعليمية ودعم بدل المواصلات للطلبة الملتحقين في المدارس الدامجة، وبالاضافة الى العمل من خلال منظومة التشاركية مع كافة المؤسسات الحكومية والتطوعية والدولية ومنظمات المجتمع المدني ذات العلاقة ايمانا من المجلس باهمية سد الثغرات الموجودة في الميدان وتكاملية الخدمات والبرامج وربط جميع الشركاء وتسخيرهم للعمل الاسمى لخدمة الاشخاص ذوي الاعاقة.
وعلى الرغم من كل ما بذل ويبذل من جهود وتوقيع اتفاقية تحديد الادوار والمسؤوليات مع كل من وزارتي التربية والتعليم والتنمية الاجتماعية والمجلس الاعلى، الا ان تلك الجهود تمر بالكثير من العثرات ومن ابرزها الاوضاع الاقتصادية في الاردن والاوضاع السياسية في المنطقة واثر ذلك على ازدحام المدارس باعداد تفوق طاقتها الاستيعابية مع محدودية الامكانيات المالية؛ ما يؤثر سلبا على دمج الطلبة ذوي الاعاقة ومتطلبات الدمج التي لا بد من توافرها قبل الحاق اي طالب بالمدرسة.
اذا ماذا يجب ان نفعل في ظل تلك الظروف؟؟؟
من وجهة نظري فان على وزارة التربية والتعليم تبني منهج التعليم الشمولي والذي يعدّ اللبنة الاساس لمشاركة الاشخاص ذوي الاعاقة في المجتمع حيث يركز هذا المنهج على عدم اقصاء الأطفال وخصوصا الاطفال ذوي الاعاقة من التعليم لما له من أثر في تعزيز قدرات وخبرات الاطفال ذوي الاعاقة وتغيير المفهوم الخاطىء عنهم وايجاد مفهوم تقبل الاختلاف لدى اقرانهم من غير ذوي الاعاقة. ويستلزم التعليم الشمولي توفير فرص تعليمية لجميع الطلبة ضمن نظام التعليم الالزامي بما يتيح للاطفال ذوي الاعاقة واقرانهم من غير ذوي الاعاقة الانتظام في الصفوف ذاتها الملائمة لاعمارهم في المدارس مع تقديم الدعم الاضافي اللازم لكل فرد منهم على انفراد بما يتلاءم واحتياجاتهم بما في ذلك توفير التدابير المناسبة لتوظيف معلمين/معلمات بمن فيهم معلمون/معلمات من ذوي الاعاقة يتقنون لغة الاشارة و/او طريقة برايل، وتدريب الأخصائيين والموظفين العاملين في جميع مستويات التعليم بأنْ يتضمن التدريب التوعية بالاعاقة واستعمال طرق ووسائل وأشكال الاتصال المعززة والبديلة المناسبة والتقنيات والمواد التعليمية لمساعدة الاشخاص ذوي الاعاقة حسب ما نصت عليه اتفاقية حقوق الاشخاص ذوي الاعاقة التي صادق عليها الاردن.
واشارة الى تقرير اليونيسف للعام 2013 حول وضع الاطفال في العالم، فقد اظهرت بيانات مسوح الأسر التي اجريت في 13 بلداً منخفض ومتوسط الدخل، ان احتمالية التحاق الأطفال ذوي الاعاقات في الفئة العمرية من 6 اعوام الى 17 عاما بالمدرسة تقل الى حد كبير عن احتمالية الالتحاق بها من جانب الاطفال من غير ذوي الاعاقة. وبالتالي فإن الأطفال ذوي الاعاقة محرومون من الحصول على الحق في التعليم اسوة باقرانهم من غير ذوي الاعاقة. ويترتب على ذلك عدم قدرة الاردن على الالتزام بالهدف الثاني من الأهداف الإنمائية للالفية وهو تعميم التعليم الابتدائي، وكذلك الالتزام باتفاقية حقوق الطفل وتعزيز حق الاطفال ذوي الاعاقة في التعليم كونهم احدى الفئات الاكثر تهميشاً واقصاء فيما يتعلق بالتعليم.
ولعل السبب في اقصاء الاطفال ذوي الاعاقة في تلك البلدان يعود الى التكلفة المالية المترتبة على توفير بيئة تعليمية دامجة لهم. ولكن في حال تم النظر الى الاثر الناتج عن تعليم الطلبة ذوي الاعاقة بعد تخرجهم في المدرسة وتمكينهم من الحصول على الفرص المتساوية في التعليم الجامعي او التدريب المهني وما يترتب على ذلك من تحقيق الاستقلال المالي لهم بأنْ يصبحوا اعضاء فاعلين ومنتجين في الدولة ويترتب على مدخولهم المالي ضرائب مما يرفد خزينة الدولة بما يسهم في تغطية بعض التكاليف المالية التي ترتبت على توفير الخدمات التعليمية لهم اسوة بغيرهم من غير ذوي الاعاقة. وبالمقارنة مع من لم تسنح لهم الفرصة بتلقي التعليم، فان التكلفة المالية المترتبة على تعليمهم هي اقل بكثير من الاعباء الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على الاهل والمجتمع والحكومات إذْ تبلغ الكلفة الشهرية الناتجة عن التحاق الاشخاص ذوي الاعاقة في المراكز الايوائية في الاردن حوالي 700 دينار شهرياً حسب تقديرات وزارة التنمية الاجتماعية بالاضافة الى الاعباء المالية المترتبة على الدولة للاشخاص ذوي الاعاقة غير الملتحقين في المراكز الايوائية نتيجة لتلقيهم مساعدات مالية شهرية من صندوق المعونة الوطنية.
واذا ما راجعنا ما سطره التاريخ من انجازات بايدي اشخاص ذوي اعاقة، نتذكر جميعنا توماس أديسون مخترع الكهرباء الذي قال عنه أستاذه إنه ولد غبي ولا يستطيع أن يتعلم أي شيء، فكل الكهرباء التي ترونها حولكم اليوم هي من اختراع هذا الإنسان، هذا الشخص -أيضا- كانت تظهر عليه صفات التوحد، الانطواء، الضعف الدراسي، التأخر اللفظي. وبيتهوفن أعظم موسيقي الذي قال له أستاذه، إن لا أمل له في الفن، ثم أصبح واحدًا من أعظم الفنانين في تاريخ البشرية، وسيمفونيات بيتهوفن إلى اليوم تسمع من قبل ملايين الناس، وقد ألف بيتهوفن أعظم سيمفونياته وهو أصم. ومن التاريخ الحديث نذكر دانيال تامت ولديه اضطراب التوحد، إذْ استطاع التغلب على هذا الأمر من خلال الدراسة والعمل الجاد، فهو قادر على التحدث بـ 11 لغة مختلفة، وتعلم تحدث اللغة الأيسلندية بطلاقة في 7 أيام فقط من خلال برنامج تلفزيوني، وحالياً قام بخلق لغة جديدة تعرف باسم «مانتي»، كما يعمل في شركة ضخمة من خلال منزله، فكل ما يحتاج إليه هو اتصال إنترنت فقط.
ندرك تماماً ان مشوار التعليم الدامج يبدأ بخطوة بل خطوات ولا بد له من الاستمرار بجهود الخيرين من ابناء هذا البلد المعطاء لضمان عدم استبعاد الأشخاص ذوي الإعاقة من النظام التعليمي العام على أساس الإعاقة فإن الاستثمار بطاقات الاطفال والشباب من ذوي الاعاقة في كافة المجالات لا سيما في هذا المجال يعزز ضمان التمتع بالحقوق مما يعود بالمنفعة والمصلحة العامة لدولتنا الاردنية وفي النهاية يد الله مع الجماعة.

* رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأشحاص المعوقين
والمبعوث الخاص لاتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد

Hakeem-Ads